أهم درس في تاريخ الفلسفة

Sunday, 2 May 12:04 pm

– لحظة إعدام سقراط

 la mort de socrate

Jacques Luis DAVID (1748-1825). la mort de socrate (1786). Huile sur toile. H. 1,30. L. 1,96.

 

فيدون يحكي لصديقه إيشيقراط، الساعات الأخيرة التي قضاها سقراط في سجنه مع العديد من أتباعه وأصدقائه

 

أشار كريطون إلى عبده الذي يوجد بقربه، خرج العبد، وبعد أن مكث مدة لا بأس بها من الزمن، دخل مع الذي سيقدم السم، الذي حمله مسحوقا في كوب. قال سقراط لما لمح هذا الرجل

والآن يافتى، وبما أنك على دراية بهذه الأمور، قل لي ما الذي ينبغي أن أفعله؟

أجاب الرجل: لا شىء غير التجول بعد شربه، إلى أن حين تشعر بتثاقل قدميك، وبعد ذلك ستتمدد فوق فراشك، فالسم سيؤدي مفعوله من تلقاء ذاته

في هذه اللحظة مد له الكوب، فأخذه سقراط بثقة كاملة في النفس، دون أن يضطرب ودون أن يتغير لون وجهه. قال سقراط، وهو ينظر إلى الرجل من الأسفل، بنظرة الثور المعهودة لديه

ما قولك، إذا سكبنا قدرا من المسحوق تكريما لأحد الآلهة. هل هذا ممكن أم لا؟

أجاب الرجل: إننا لم نسحق إلا القدر الذي يجب أن تشربه

سقراط: فهمت، ولكننا على الأقل يجب أن نتدرع للآلهة، لكي تسهل لنا المرور من هذا العالم إلى العالم الآخر. وهو ما طلبته منها لعلها تستجيب

وهو يقول كل هذا، حمل الكوب إلى فمه، فتجرعه حتى آخر قطرة، بكل سهولة، وبهدوء تام

لحد الآن، كانت لدينا جميعا، تقريبا، القوة للتحكم في دموعنا، لكن ونحن نراه يفرغه عن آخره، لم نستطع السيطرة عليها. أنا شخصيا حاولت عبثا التحكم في دموعي، لكنها انفلتت منزلقة. فحجبت رأسي، وأخذت أبكي على ذاتي، لأن المحنة محنتي، وليست محنته. لذا وجب أن أرثيها، وأنا أفكر في أي صديق فقدت. وقبلي، لم يستطع كريطون السيطرة على دموعه فنهض من مكانه. أما بالنسبة لأبولودور، الذي لم يتوقف، ولو لحظة واحدة، عن البكاء، منذ البداية، فإنه بدأ يصرخ إلى أن فطرت دموعه ونواحه قلوب كل الحاضرين، ماعدا سقراط ذاته الذي صاح

ما الذي تفعلونه هنا، يا أغرب الأصدقاء. إذا كنت قد أبعدت النساء، فلكي أتجنب عويلهن غير اللائق، لأنني كنت دائما أسمع أنه يستحسن الموت على سماع كلمات تبشر بالخير، إذن أصمتوا وكونوا هادئين. ونحن نستمع لمؤاخذاته عنا، انتابنا الخجل، فتوقفنا عن البكاء

أما بالنسبة لسقراط، وبعد أن تمشى قليلا، قال إن رجلاه بدأتا تتثاقلان، فاستلقى على ظهره كما قيل له أن يفعل. فأخذ الرجل الذي أعطاه السم يجس نبضه من خلال تلمس يده. كما أنه كان يتحسس رجليه من وقت لآخر. ثم بدأ يضغط بقوة على رجله، فسأله إن كان يشعر بأي شيء، فأجاب سقراط بالنفي. فأخذ يضغط بقوة على أسفل قدمه، وهو يرفع اليدين إلى الأعلى، أوضح لنا الرجل أن الجسم بدأ يتبرد ويتصلب. وهو يتلمسه، أعلن أنه إذا تمكنت البرودة من قلبه، فإن سقراط سيرحل عن هذا العالم. كانت منطقة أسفل البطن قد تبردت عندما قال سقراط آخر كلماته من تحت الغطاء، لأنه كان قد غطى رأسه

كريطون، إننا مدينان لإسكليبيوس بديك، سدد له ثمنه، لا تنسى

أجاب كريطون: نعم سأفعل. لكن أنظر إن كان لديك شيئا آخر تريد قوله؟

إلا أن سقراط لم يجب عن هذا السؤال، لكن بعد لحظة أطلق زفرة قوية، فكشف عنه الرجل الغطاء. لقد كانت عيناه ثابتتان. ونحن نرى هذا، أقفل له كريطون فمه، وأغمض له عينيه. هكذا كانت نهاية صديقنا، يا إيشيقراط، نهاية رجل، نستطيع أن نقول أنه كان أحسن رجل من بين رجال هذا العصر الذين عرفناهم، كما أنه كان أكثر حكمة، وأكثر عدالة كذلك

محاورة: « فيدون » لأفلاطون.  مطبوعات غالمار