مجزوءة الوضع البشري

تقديم عام للمجزوءة


إن الوضع البشري بنية مركبة تتميز بالتعقيد، حيث تتداخل فيه عدة مستويات، منها ما هو ذاتي، وما هو موضوعي، وما هو علائقي، وما هو زماني، إذ يتحدد الكائن البشري ذاتيا بالوعي، وموضوعيا بالتواجد مع الغير، والعلاقة التي تربط بينهما (الذات – الغير)، إضافة إلى الامتداد في الزمان التاريخي

فالكائن البشري، فرد ذو ملامح بيولوجية، ونفسية، وذهنية خاصة. تجعل منه شخصا محددا يتمتع بقسط من حرية الإرادة، لكنه في نفس الوقت مشروط بمحددات اجتماعية ونفسية لا واعية، لكن تَشَكُّلُه لا يتم في معزل عن الغير. وهكذا فوجود الغير والعلاقة معه شرط ضروري لبناء الذات. إن هذا البعد الغيري، هو بعد ضروري إلى درجة اعتبار العزل الانفرادي للشخص شكلا من أشكال العقاب القاسي. لكن العلاقة مع الغير هي جزء من علاقة أوسع هي العلاقات الاجتماعية، لأن الآخرين ليسوا مجرد أفراد متناثرين هنا وهناك، بل يشكلون نظاما جماعيا عاما منظما اقتصاديا وسياسيا وإداريا هو المجتمع، الذي يخضع لصيرورة زمنية تطورية يترابط فيها الماضي والحاضر بالمستقبل تسمى: التاريخ

وهذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية

أين تكمن الطبيعة الجوهرية للشخص؟

ما العلاقة التي تربطه بالغير؟

كيف يساهم الإنسان في صنع تاريخه؟

—————————————————————————————————————————————-

مفهوم الشخص


 

الطرح الإشكالي

إن الحديث عن الشخص هو حديث عن الذات أو الأنا، والشخص هو مجموع السمات المميزة للفرد الذي هو في الأصل كيان نفسي واجتماعي متشابه مع الآخرين، ومتميز عنهم في نفس الوقت. لكن هويته ليست معطى جاهزا، بل هي خلاصة تفاعل عدة عناصر فيها ما هو بيولوجي، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي… وهذا ما يجعلنا نطرح إشكال الشخص على شكل أسئلة فلسفية وهي

فيما تتمثل هوية الشخص؟

أين تكمن قيمته؟

هل الشخص حر في تصرفاته؟ أم يخضع لضرورات حتمية؟

أولا: الشخص والهوية

أ- الهوية والشعور

تتمثل هوية الشخص – في نظر جون لوك – في كونه كائنا عاقلا قادرا على التفكير والتأمل بواسطة الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة، حيث لا يمكن الفصل بين الشعور والفكر، لأن الكائن البشري لا يمكن أن يعرف أنه يفكر إلا إذا شعر أنه يفكر. وكلما امتد هذا الشعور ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، اتسعت وامتدت هوية الشخص لتشمل الذاكرة، لأن الفعل الماضي صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر

إن هذا الشعور، حسب لوك، هو الذي يشكل الهوية الشخصية للفرد التي تجعله يشعر أنه هو هو لا يتغير، كما تجعله يشعر باختلافه عن الآخرين

ب- الهوية والإرادة

يلاحظ آرثر شوبنهاور، أن الفرد يكبر ويشيخ، لكنه يحس في أعماقه أنه لازال هو هو كما كان في شبابه وحتى في طفولته. هذا العنصر الثابت هو الذي يشكل هوية الشخص. إلا أن شوبنهاور لا يرجع أصل الهوية إلى

الجسم : لأن هذا الأخير يتغير عبر السنين، سواء على مستوى مادته أو صورته، في حين أن الهوية ثابتة

الشعور بالذاكرة والماضي: لأن الكثير من الأحداث الماضية للفرد يطويها النسيان. كما أن إصابة في المخ قد تحرمه من الذاكرة بشكل كلي، ومع ذلك فهو لا يفقد هويته

العقل والتفكير: لأنه ليس إلا وظيفة بسيطة للمخ

إن هوية الشخص – في تصور شوبنهاور – تتمثل في الإرادة، أي في أن نريد أو لا نريد

ثانيا: قيمة الشخص

أ- قيمة الشخص في ذاته

إن الكائنات العاقلة (الأشخاص) – في تصور إيمانويل كانط – لها قيمة مطلقة، باعتبارها غاية في حد ذاتها، وليست مجرد وسيلة لغايات أخرى. في مقابل الموضوعات غير العاقلة (الأشياء) التي ليست لها إلا قيمة نسبية، قيمة مشروطة بميولات وحاجات الإنسان لها، حيث لو لم تكن هذه الميولات والحاجات موجودة، لكانت تلك الموضوعات بدون قيمة. إن لها قيمة الوسائل فقط

وهذا ما يحتم على الشخص، حسب كانط، الالتزام بمبدأ عقلي أخلاقي عملي هو: إن الطبيعة العاقلة (الشخص) توجد كغاية في ذاتها

ب– قيمة الشخص والجماعة

إن فكرة استقلال الذات المفكرة والشخص الأخلاقي، وكما تمت صياغتها من طرف الفلاسفة (ديكارت، كانط..)، لم تتحقق في الفكر الإنساني إلا في وقت متأخر، في نظر جورج غوسدورف. لكن بالرجوع إلى بداية الوجود الإنساني، وكما عاشها الناس فعليا، فإننا نجد الفرد كان يعيش ضمن الجماعة من خلال أشكال التضامن البسيطة والأساسية (الأسرة ، العشيرة، القبيلة..) التي سمحت لهذه الجماعة بالبقاء

إن قيمة الشخص إذن لا تتحدد في مجال الوجود الفردي، حسب غوسدورف. ولكن في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية

ثالثا: الشخص بين الضرورة والحرية

أ– الشخص والضرورة

لقد أقر سيغموند فرويد للأنا بوجود مستقل، كأحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية، وله نشاط شعوري يتمثل في الإدراك الحسي الخارجي والإدراك الحسي الداخلي، والعمليات الفكرية. ويضطر للخضوع لثلاث ضغوطات متناقضة، وهي الهو الذي يتمثل في الدوافع الفطرية والغريزية. والأنا الأعلى الذي يتجلى في الممنوعات الصادرة عن المثل الأخلاقية، والعقاب الذي تمارسه بواسطة تأنيب الضمير. إضافة، إلى الحواجز التي يضعها العالم الخارجي والاجتماعي

إن الأنا يخضع، حسب فرويد، لضرورات الهو، والأنا الأعلى، والعالم الخارجي

ب– الشخص والحرية

إن الإنسان – حسب ج.ب. سارتر – يوجد أولا، أي ينبثق في هذا العالم، ثم يتحدد بعد ذلك وفق ما سيصنع بنفسه، وكما يريد أن يكون في المستقبل. إن الإنسان مشروع يعاش بكيفية ذاتية. هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها، ويحددها، وذلك بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل أو الفعل أو الحركة في إحدى الإمكانات المتاحة أمامه. وبما أن هذه الوثبة تتخذ أشكالا متنوعة بحسب الأفراد، فإننا نسميها كذلك اختيارا وحرية

إن الشخص، في نظر سارتر، يتمثل قي قدرته على الحرية في الاختيار

استنتاجات عامة

إن هوية الشخص ليست معطى بسيطا، بل هي عنصرا مركبا يتشكل من مجموع السمات التي تميز ذات الإنسان، والتي تتجلى في الخصائص الجوهرية والثابتة فيه كالعقل، والشعور، والإرادة

إن قيمة الشخص ذات طبيعة مزدوجة، فهي قيمة تمسه كفرد يمتلك كرامة تلزمنا أن نتعامل معه كغاية في ذاته. كما تمسه كعنصر داخل الجماعة ما دامت الجماعة هي التي تمنح الفرد قيمته

إن الشخص يخضع لمجموعة من الشروط التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، لكنه في نفس الوقت يمتلك هامشا من الحرية، يستطيع من خلاله أن يعدّل، إن لم نقل يغير تلك الشروط

—————————————————————————————————————————————-

مفهوم الغير


 

الطرح الإشكالي

إن مفهوم الغير من المفاهيم الفلسفية الحديثة التي لم تحتل مركز الصدارة إلا مع فلسفة هيغل، بعدما كان كل اهتمام التفكير الفلسفي يتمحور حول الذات، وبما أن الذات قد تنتج أفكارا خاطئة حول موضوعات خارجية نتيجة خداع الحواس، فإن هذا الأمر قد يدفع إلى الشك في الغير، ووضع وجوده بين قوسين. مما يترتب عن ذلك أن إنتاج معرفة حول الغير تتميز بالاختلاف، بل احتمال عدم إنتاجها أصلا. إضافة إلى تعدد وتنوع العلاقة التي تربطنا به، وهذا ما يمكن التعبير عنه بواسطة الأسئلة الآتية

هل الغير موجود أم لا؟

هل معرفة الغير ممكنة؟ وإن كانت كذلك، كيف يمكن أن نبني هذه المعرفة؟

ما طبيعة العلاقة التي تربط الذات بالغير؟

أولا: وجود الغير

أ– وجود الغير والصراع

يكون وعي الذات وجودا بسيطا لذاته – حسب فريدريك هيغل – تقوم ماهيته في كونه أنا. غير أن الآخر هو أيضا وعي لذاته، باعتباره لا- أنا. هكذا تنبثق ذات أمام ذات، يكون كل واحد بالنسبة للآخر عبارة عن موضوع. كل منهما متيقن من وجود ذاته، وليس متيقنا من وجود الآخر. لكن مازال لم يقدم بعد أحدهما نفسه للآخر. تتمثل عملية تقديم الذات لنفسها أمام الآخر، في إظهار أنها ليست متشبثة بالحياة، وهي نفس العملية التي يقوم بها الآخر، حينما يسعى إلى موت الآخر، أي الأنا

إن وجود الغير بالنسبة للأنا – في تصور هيغل – يتم بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت، لأن على كل منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته، وبالنسبة للآخر

ب– وجود الغير ووجود الذات

إن الموجود- هنا، باعتباره وجودا فرديا خاصا، لا يكون مطابقا لذاته – في نظر مارتن هايدغر – عندما يوجد على نمط الوجود- مع- الغير. فهذا الوجود- المشترك يذيب كليا الموجود- هنا، الذي هو وجودي الخاص، في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون ويفقدون ما يميزهم، وما ينفردون به. مما يسمح بسيطرة الضمير المبني للمجهول. هذا المجهول ليس شخصا متعينا، إنه لا أحد، كما أن بإمكان أي كان أن يمثله

إن وجود الغير- في تصور هايدغر- يهدد وجود الذات من خلال إذابتها وسط الآخرين، ووسط المجهول

ثانيا: معرفة الغير

ب– الغير والحميمية

إن حميميتي، أي حياتي الخاصة، هي عائق أمام كل تواصل مع الغير- يقول غاستون بيرجي- حيث تجعلني سجين ذاتي. فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي بالنسبة لي، وهي تجربة غير قابلة للنقل إلى الآخر. فأنا أعيش وحيدا وأشعر بالعزلة. كما أن عالم الغير منغلق أمامي بقدر انغلاق عالمي أمامه. فعندما يتألم الغير، يمكنني مساعدته، ومواساته ومحاولة تخفيف الألم الذي يمزقه غير أن ألمه يبقى رغم ذلك. ألما خارجيا بالنسبة لذاتي، فتجربة الألم تظل تجربته الشخصية، وليست تجربتي

وهكذا تتعذر معرفة الغير- في نظر بيرجي- مادام الإنسان كائنا سجينا في آلامه، ومنعزلا في لذّاته، ووحيدا في موته، محكوما عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل

 

أ– الغير بنية

إن الغير ليس فردا مشخصا بعينه – حسب جيل دولوز- بل هو بنية أو نظام العلاقات والتفاعلات بين الذوات والأشخاص. يتجلى هذا النظام في المجال الإدراكي الحسي، مثلا فأنا حين أدرك الأشياء المحيطة بي، لا أدركها كلها ومن جميع جهاتها وجوانبها وباستمرار. وهذا يفترض أن يكون ثمة آخرون يدركون مالا أدركه من الأشياء، وفي الوقت الذي لا أدركه، وإلا بدت الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها مجددا. وإذا كان هذا مستحيلا، فإن الغير إذن يشاركني إدراك الأشياء، ويكمل إدراكي لها

وهكذا يجرد دولوز الغير من معناه الفردي المشخص، ويضمنه معنى بنيويا

ثالثا: العلاقة مع الغير

أ- علاقة الصداقة

إن الصداقة باعتبارها مثالا، هي اتحاد شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام، في نظر إيمانويل كانط. وغاية هذا المثال هو تحقيق الخير للصديقين الذين جمعت بينهما إرادة طيبة، يتولد عن مشاعر الحب تجاذب بين الصديقين، في حين يتولد عن مشاعر الاحترام تباعد بينهما. إذا تناولنا الصداقة من جانبها الأخلاقي، فواجب الصديق تنبيه صديقه إلى أخطائه متى ارتكابها، لأن الأول يقوم بهذا التنبيه لأجل خير الثاني،وهذا واجب حب الأول للثاني. بينما تشكل أخطاء الثاني تجاه الصديق الأول إخلالا بمبدأ الاحترام بينهما

لا يجب إذن أن تقوم الصداقة- حسب كانط- على منافع مباشرة ومتبادلة، بل يجب أن تقوم على أساس أخلاقي خالص

ب- علاقة الغرابة

لقد رفضت جوليا كريستيفا المعنى اليوناني القديم لمفهوم الغريب المرتبط بالآخر، الذي نكن له مشاعر الحقد باعتباره ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة، أو ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى المجتمع. إن الغريب في نظرها يسكننا على نحو غريب. ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا، نستبعد أن نبغضه في ذاته. إن الغريب يبدأ عندما ينشأ لديّ- تقول كريستيفا- الوعي باختلافي، وينتهي عندما نتعرف على أنفسنا جميعا وندرك أننا غرباء متمردون على الروابط والجماعات

كما انتقدت كريستيفا الدلالة الحقوقية المعاصرة للغريب التي تطلق على من لا يتمتع بمواطنة البلد الذي يقطنه، لأنها تسكت عن وضعية المختلف التي يتخذها الإنسان داخل جماعة بشرية تنغلق على نفسها مقصية المخالفين لها

استنتاجات عامة

هناك فرق بين الآخر والغير، فإذا كان الآخر هو ذلك الكائن المادي الذي يتميز بوجود واقعي إلى جانب أو في مقابل الذات، فإن الغير مفهوم فلسفي نظري يتضمن الخصائص المجردة للآخر

إن مفهوم الغير، مفهوم يتضمن معرفة متناقضة حول الآخر. فتارة يحدده كأنا آخر باعتباره متطابقا مع الذات، وطورا يحدده باعتباره لا- أنا مركزا على مظاهر التناقض مع الذات

إن العلاقة مع الغير في الحقيقة هي علاقة بصيغة الجمع، تتميز بالتعدد والتنوع. تبدأ بعلاقة الحب والاحترام والصداقة، مرورا بعلاقة الغرابة والقرابة… وتنتهي مع علاقة الصراع والتنافس والعداوة

—————————————————————————————————————————————-

*مفهوم التاريخ


 

الطرح ا|لإشكالي

إن الإنسان ليس كائنا ميتافيزيقيا يتعالى عن العالم المادي الملموس، بل إنه كائن تاريخي، كائن يتطور في الزمان والمكان، ويخضع لمجموعة من الشروط الموضوعية: اقتصادية، اجتماعية، سياسية… وهذا هو ما يسمى: التاريخ. الذي يثير قضايا فلسفية حول المعرفة التاريخية باعتبارها معرفة حول الماضي، لكنها في نفس الوقت لا يمكن أن تنفصل عن الحاضر بل والمستقبل. ومن بين المفاهيم المركزية في علم التاريخ نجد مفهوم التقدم الذي يختلف المؤرخون حول المسارات التي يتخذها. وأخيرا الدور المعقد الذي يتخذه الفاعل الأساسي في التاريخ، أي الإنسان. وهي قضايا يمكن صياغتها من خلال الأسئلة الموالية وهي

ما هي المعرفة التاريخية؟

هل للتقدم مسار واحد؟ أم مسارات متعددة؟

من الذي يتحكم في الآخر؟ الإنسان أم التاريخ؟

أولا: المعرفة التاريخية

أ- التاريخ معرفة للماضي

إننا نعيش في مجتمع معين، ونحافظ على آثار ما كان موجودا من قبل. نحفظ الوثائق ونصون الآثار ونرممها، ويمكننا، انطلاقا من هذه الآثار، حسب ريمون أرون، إعادة بناء ما عاشه الذين سبقونا بهذا القدر أو ذاك. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة التاريخية هي إعادة بناء ما كان موجودا ولم يعد كأثر، غير أنها عملية تخص زمانا ومكانا محددين، ولا تخص إعادة بناء مجردة للماضي

ب- التاريخ معرفة علمية

إن فهم الماضي من خلال الآثار والوثائق هو في جوهره ملاحظة، والملاحظة- في نظر بول ريكور – ليست تسجيلا وتدوينا للوقائع بشكلها الخام. إنها إعادة تكوين حدث ما، أو سلسلة من الأحداث، أو وضعية، أو مؤسسة، انطلاقا من الوثائق بعد أن خضعت للمساءلة، وثم استنطاقها من طرف المؤرخ. وهذا العمل المنهجي هو الذي يجعل الأثر التاريخي وثيقة دالة، ويجعل من الماضي واقعا تاريخيا أو حدثا تاريخيا

وهكذا يتمكن المؤرخ- حسب ريكور- معتمدا على الوثائق، ومنطلقا من الملاحظة المنهجية، من بناء الوقائع التاريخية

ثانيا: التاريخ وفكرة التقدم

أ- المسار الحتمي للتقدم

يدخل الناس، بمناسبة الإنتاج الاجتماعي لشروط وجودهم، في علاقات محددة وضرورية مستقلة عن إرادتهم، حسب كارل ماركس. وتعكس علاقات الإنتاج درجة تطور قوى الإنتاج المادي. وتشكل مجموع علاقات الإنتاج، البنية التحتية والاقتصادية للمجتمع، والأساس الملموس الذي تقوم عليه البنية الفوقية التي تقابلها أشكال الوعي الاجتماعية. إن نمط إنتاج الحياة المادية يشرط سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية و الفكرية عموما. وفي مرحلة معينة من تطور قوى الإنتاج المادية للمجتمع تدخل هذه الأخيرة في تناقض مع علاقات الإنتاج لتبدأ مرحلة الثورات الاجتماعية، يمكن تصنيف أنماط الإنتاج: العبودي، الفيودالي، والرأسمالي بأنها عصور وحقب متدرجة للتركيبة الاجتماعية- الاقتصادية. فعلاقات الإنتاج التي تميز نمط الإنتاج الرأسمالي هي آخر نمط إنتاج متناقض في سيرورة الإنتاج الاجتماعي، ومع هذه التشكيلة الاجتماعية الأخيرة، ينتهي ما قبل تاريخ المجتمع البشري، حسب التصور الماركسي

ب- إمكانيات التقدم التاريخي

لقد اعترض موريس ميرلوبونتي على كل تصور آلي منغلق يخضع للضرورة، يجعل التاريخ يتقدم نحو اتجاه محدد مسبقا. لهذا حافظ ميرلوبونتي على مسافة نقدية مع التصور الماركسي، حيث يمكن للنمو الاقتصادي مثلا أن يكون متقدما على النمو الإيديولوجي، أو يمكن للنضج الإيديولوجي أن يحدث فجأة دون أن تتهيأ الشروط الموضوعية لذلك، أو عندما لا تكون الشروط مساعدة على الثورة، إننا حين نتخلى بصفة نهائية عن التصور الحتمي، لصالح تصور عقلاني للتاريخ، لا يصبح منطق التاريخ غير إمكانية ضمن إمكانات أخرى

ثالثا: دور الإنسان في التاريخ

أ- التاريخ والروح المطلقة

إن سيرورة التاريخ في- في نظر فريديريك هيغل- محكومة بالروح المطلقة، من خلال أعمال العظماء والأبطال الذين يدركون جوهر هذه الروح، حيث يعملون على إخراجها من الخفاء إلى الظاهر عندما يحققونها في التاريخ حسب منطق التطور، وهذا ما يدفع الناس إلى التحلق حول العظماء لأنهم يعرفون أن هؤلاء الشخصيات تمثل الاتجاه العميق للتاريخ، لأن أفعالهم وخطاباتهم هي أحسن ما يتوفر عليه عصرهم. ثم يتخلى عنهم التاريخ بعد أن يحقق ذاته من خلالهم، إما يموتون شبابا كالإسكندر الأكبر، أو يقتلون كالقيصر، أو ينفون كنابليون

إن دور الإنسان في التاريخ من خلال ما ينجزه العظماء- حسب هيغل- يتمثل في كونهم مجرد وسائل لتحقيق وتجسيد الروح المطلقة

ب- الإنسان صانع لتاريخه

إن الإنسان- حسب ج. ب. سارتر- يتميز بقدرته على تجاوز وضعه لأنه يستطيع أن يفعل شيئا بما يُفْعَلُ به. إن هذه القدرة على التجاوز هي أساس كل ما هو إنساني، وهو ما نسميه المشروع، الذي هو نفي وإبداع: أي نفي ما هو معطى بواسطة الممارسة والفعل، وإبداع أو بناء موضوع لم يظهر مكتملا بعد، ولا يتصور أحد هذا التجاوز لما هو معطى إلا في إطار علاقة الإنسان بممكناته. إن حقل الممكنات هو الهدف الذي يقصده الإنسان لتجاوز وضعيته

إن الفرد- بالنسبة لسارتر- يصنع التاريخ عندما يتجاوز وضعيته نحو حقل ممكناته، من خلال تحقيق إحداهما

استنتاجات عامة

إن التاريخ في عمقه هو علم يتخذ من دراسة الماضي موضوعا له، إلا أن دراسة الماضي ليست غاية في ذاتها، بل هي عملية بتم من خلالها التعرف على تجارب الماضي وذلك قصد عدم تكرار الإخفاقات، واستثمار التجارب الناجحة لبناء المستقبل

إن التاريخ يخضع لقانون التقدم، رغم بعض التقطعات، ولحظات التراجع الطارئة، إلا أن هذا التطور لا يتخذ خطا واحدا من المفروض على كل المجتمعات أن تلتزم به، بل إنه يتحقق بطرق متعددة ومتنوعة حسب خصوصية كل مجتمع

إن هناك علاقة جدلية بين الإنسان والتاريخ باعتبار أن الإنسان كائن تاريخي، كما أن التاريخ معطى إنساني، وهكذا فالإنسان يصنع تاريخه بقدر ما يصنع التاريخ الإنسان

 

—————————————————————————————————————————————-

استنتاجات حول مجزوءة الوضع البشري


إن الوضع البشري معطى تتداخل في تشكله عدة عناصر ومكونات وهي: الذات، والآخر، وماضي الإنسان، والعلاقة المتشابكة بينهما

تتمثل الضرورة في الوضع البشري

على مستوى الشخص: في القوانين البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تخضع لها الذات

على مستوى الغير: في الخضوع للقوانين الأخلاقية، إضافة إلى التواجد مع الآخر، وضرورة العلاقة معه

على مستوى التاريخ: في خضوع الكائن البشري لشروط تاريخية حتمية تتطور في استقلال عن إرادة الأفراد

تتمثل الحرية في الوضع البشري

على مستوى الشخص: في تجاوز الفرد لوضعه الحالي ليصنع من ذاته ما يشاء في المستقبل

على مستوى الغير: في خلقه لمسافة مع الآخر تجعله مستقلا عنه، وليس تابعا له

على مستوى التاريخ: في الإرادة وحرية الاختيار التي يتميز بها الإنسان. والتي تؤهله للانفلات من الحتمية التاريخية ليصبح صانعا لتاريخه الخاص

———————

*مفهوم التاريخ، خاص بشعبة الآداب

84 réponses à “مجزوءة الوضع البشري”

17 05 2010
deyae (12:20:54) :

bravo vraimment rir li mabrache yangah chapo li dar had sit j le remerci bcp

25 05 2010
hamza hassan2 (22:58:16) :

bravo 3lik oustad lah yhefdak ou d3i m3ana b toufi9 had 3am inchallah lia f l jami3 talamid inchallah………………….. ?اذن ما هو رايك

26 05 2010
Anonyme (20:11:16) :

cho kan jazilan

31 05 2010
chimae hassan2 (10:30:15) :

chokrane bzzzzzzzaf a oustadi 3la hade le blog l moihime bzafe lina jazake lah alfe alfe khaire chokrane

1 06 2010
raghda (14:30:06) :

mercie oustad pr tt

2 06 2010
Anonyme (10:06:14) :

merci bazfffff

2 06 2010
karimine (22:19:54) :

Bonsoir ousstadi,j’ai pas pu assister à la séance d’aujourd’hui pouvez-vous m’envoyer ce que vous avez fais avec les éléves? si vous voulez bien sur.Mes salutations les plus chéres et je suis désolée pour le derangement.

3 06 2010
philokarim (07:23:13) :

ردا على karimine
يمكنك الإطلاع على ذلك على صفحة التمارين وخاصة السؤال الإشكالي المفتوح

3 06 2010
Anonyme (21:10:16) :

LA YJASIK BIKHIR A OUSTAD

4 06 2010
chaimae (18:29:19) :

bonsoir professeur pouvez vous m’aidait a propos du :hale mina darouri i3adate siyaghate l ichkale f tahlile / expliqué moi comment merci prof

4 06 2010
SHAHRAZAD (22:56:57) :

llah ikret men amtalek ya ostad ma3a jazil chokr wa a9ir

5 06 2010
philokarim (07:38:22) :

ردا على chaimae
ممكن لأن هذا الأمر وارد في الإطار المرجعي على مستوى النص والسؤال حيث تتم الإشار للإشكال في المقدمة لكن تعاد صياغته في بداية التخليل من خلال بلورته وإبراز عناصره أنظر:
الصفحة الأولى، ملحق، الوضعيات الإختباريةaccueil

5 06 2010
chaimae (11:59:29) :

merci beaucoup prof est je suis désolé pour le dérangement / wo d3i m3ana btawfi9 merci

6 06 2010
hasan2 (12:13:01) :

prof svp chno hya ashal tarika bach nekdar nmyaz mabin kola faylasof (mouayd…mouarid)

2 12 2010
dablesse (13:18:08) :

vrm on a bien aprentis de cela merci

25 12 2010
meryem (19:55:51) :

merci pr les informations

5 04 2011
هلافهسسضك (22:25:05) :

كثقؤه

16 04 2011
sara (15:58:12) :

mrc bcp Mr pour tt

20 04 2011
simozahraoui (13:57:08) :

merci bcp a tout qui productive cette web

29 04 2011
kamal kabbouch (10:32:27) :

rbi li ghadi i jazikom o lah i 3awnkom kima 3awntona chokran ^_^

7 05 2011
youssef (09:15:15) :

thanx you very much for all this information profff^^

10 05 2011
jihad (21:44:01) :

mercii bq kanchkrook bzaaaaf a ostad lah ynja7 ljamii3

11 05 2011
Mohammed El manzhi (19:48:51) :

جزاكم الله خيرا

12 05 2011
ZINEB (17:41:08) :

MERCI BCP POUR LE SIT HADCHI ZWIN BZAF RIR WAHAD LHAJA BRIT NGOLHA KON RIR ZTO 3LA HAD CHI CHARH LMAFAHIM RAYCON HSAN BAZZAAAAAAAAAAAAF

13 05 2011
soukaina (18:00:08) :

vrmnt merci bcp

17 05 2011
siham (18:23:09) :

choukran bzzzzzaf

17 05 2011
siham (18:24:36) :

ana brit li sa3dni ou y3tini manhajya d falsafa

21 05 2011
philokarim (13:08:36) :

أنظر آخر الأدوات المنهجية

22 05 2011
khalid (13:02:11) :

merci beaucoup beaucoup beaucoup.

23 05 2011
imane (13:05:02) :

ma9a lina mn9olo 5asna ri nnj7o lah i7fdak chokran bzzzaaaf

26 05 2011
اشرف (22:18:05) :

had chi f mostawa rir okan mhtajine tamarine

29 05 2011
zineb (22:24:43) :

chokran bzaf 3la had lma3lomat lmo5tasara

3 06 2011
Anonyme (18:08:18) :

merci bien mon prof

6 06 2011
hamid jorfi (12:54:58) :

شكر خاص لكل من يسهر على إنجاح مثل هذه التظاهرات الثقافية فعلا أنا أقدم تحياتي لكم من أعماق الفؤاد وكل ماتم ذكره وجدته في صميم الموضوع تقديم رائع وبطريقة أروع أجركم عند الله إن شاء رب العالمين أروجوا التوفيق للجميع ومسيرة موفقة

10 06 2011
mimo (18:52:56) :

merci chokran ifada zouina

11 06 2011
nabil (20:00:41) :

merci bzaffffffffff 3la had a

17 06 2011
safae (11:57:40) :

Merciii pour le site j’aime bien mais ma petite remarque makayeninch neti9adate mabine lma7awer !!!!!

19 06 2011
amian (22:05:23) :

thank you so much for this informations

22 06 2011
abdolah rhatfani (10:27:56) :

chokran

22 06 2011
najwa (10:51:05) :

shokran 3ala hadihi lmosa3ada

13 07 2011
kaddi (22:31:50) :

merci pour les sit :):)

13 09 2011
youssef (23:15:01) :

jazak alah khairan

26 09 2011
ayoub (13:20:02) :

mérci beaucoup pour le cite hadchi vrimment wa3err ^^

22 11 2011
Sally Lasely (15:19:15) :

vraiment tout ce qu’on a besoin d ‘avoire rien ne manque et rien de plus
tout est fait exacte
merci ca nous vas vraiment nous aidez ^^

12 12 2011
Sofian tayki (20:09:17) :

Chokrane mon prof. 3la koul les Réponse et merci pour majhoud Dyàlk . Kantmanaw tkoun t7at talkhis hakda lkoul majzouat li kaynin Fe 2éme anné Bàc

10 01 2012
une élève (20:44:10) :

monsieur , vous êtes le meilleur prof du monde . On vous aime <3

14 01 2012
siham (12:26:38) :

thanks for that information

15 01 2012
Anonyme (10:07:20) :

MERCI BCP POUR LESIT

29 01 2012
imane (00:44:02) :

je vous bien remercie prof et j’aimerais bien vous informez pour celle qui veulent lmanhajya vous pouver la trouver sur ce cite http://www.falsafa.info

21 05 2012
sweet (14:03:02) :

j’aime bien mrc beaucoup

23 05 2012
ghizlane (12:09:04) :

merci ousstad bzf et tbarklah 3lik ntmna lk tofi9 et d3i m3ana bnaja7 bzaf

29 05 2012
mery (12:34:11) :

merciiiiii bcp

29 05 2012
hasna (12:39:24) :

chokran bzaf 3awani had maw9I3 bzaf lah irham waldik

3 06 2012
Anonyme (12:35:44) :

Merci Pour Le site !!

4 06 2012
wafae (22:23:30) :

merci bzaaaaf wafa9akom lah lima fih alkhayro al3am

5 06 2012
salah ddine essabbar (12:25:11) :

thank you very mach for alla this informations about philosophia thank you

9 06 2012
ninoss (11:12:33) :

merci bocaux pour le cours (d3i m3a bach najhou had l3am plz )

10 06 2012
aymen (17:59:36) :

medre mais c koi c truc là ! rien pigé !

12 06 2012
hafida (20:24:29) :

merci bzffffffffffff 3la had char7 au 3la lmajhode dyalkom.sa3adtona bzfff wlh.au nchalah maradich nkhaybo dankom fina

2 07 2012
mohamed (19:53:38) :

merci hadech rahe mezeyan merci pour l’auteur de hade ale khir ?

15 09 2012
fati wac (14:16:35) :

bravo et merci beaucoup .tu es un grand prof

16 09 2012
khadija (18:09:53) :

Merci beaucoup vraiment had site l9it fih dakchi libghit llahi j3alhom lik hassanat yawm l9iyama

23 09 2012
nazha (13:05:49) :

mrc prof za3ma ghi li mabghach y9ra osafi ihda2 ila simo

25 09 2012
loubna (19:28:41) :

mercii prof vraim kat3awana bzaffffff lah ijazik

26 09 2012
nassima (17:14:17) :

merci jazaka lallah khayeran

29 09 2012
jamil (20:51:49) :

thank you so much for this information

3 10 2012
herradi (21:39:35) :

MerCi bcp m chèr prof c’est très très gentil merci

4 10 2012
Anonyme (19:17:13) :

merci

5 10 2012
nabil (13:13:58) :

mercie bc

5 10 2012
hanan (19:37:50) :

chooooookraan bzaaaf 3laa had lma3lomaaaat od3iiiw m3ana bach naj7ooo balbac incha allah

11 10 2012
Anonyme (12:46:32) :

Merci bcp Vraiment Oustad Tberkàallah 3Liiik A3anak Lah

14 10 2012
Anonyme (13:11:19) :

merci 3ala had chi likat9admo ltalamid

14 10 2012
sanae (13:13:15) :

merci 3ala had chi likat9admo ltalamid

22 10 2012
kawtar (20:13:39) :

thank you teacher

7 11 2012
Anonyme (10:13:39) :

chokrane jazilane 3la hade chi lmohime li hna bsaraha mhtajino walahe.chokrane

7 11 2012
karim battache (20:30:54) :

mrc

15 11 2012
sana (15:04:24) :

merci 3la had tawdihat w had tal5is vrimme mzn merci

16 11 2012
مريم (13:29:07) :

و الله اني اشكركم مناعماقي فلبي

18 11 2012
Anonyme (14:19:14) :

merci bzaaaaaaaaaaaaaaaaf

19 11 2012
nora de smara (00:01:50) :

merci beaucoup pour le cite vrimment zwine bzaff jazaka lah khayran

19 11 2012
amouna (22:49:22) :

Choukraaaaaaaaaan bezaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaf

19 11 2012
Anonyme (22:49:41) :

thanks !!

19 11 2012
Anonyme (22:50:02) :

hukhb

25 02 2013
fiore_zho (14:57:38) :

Merçiii beaucoup °-°
:)

Laisser un commentaire

Vous devez être connecté pour poster un commentaire